علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

272

ثمرات الأوراق

يسيرا ، والثالثة على الثانية فلا بأس ، لكن لا يكون أكثر من المثل ، مثاله في القرينتين قوله تعالى : وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا [ مريم : 88 - 90 ] . فالثانية أطول من الأولى . ومثاله في الثالثة ، قوله تعالى : وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً [ الفرقان : 11 - 13 ] . * * * عود إلى السجع ومن فوائد الإنشاء أن تكون كلّ فاصلة مخالفة لنظيرتها في المعنى ؛ لأن اللفظ إذا كان من القرينة بمعنى نظيره من الأخرى لم يحسن ، كقول الصّاحب بن عباد في وصف منهزمين : طاروا واقين بظهورهم صدورهم ، وبأصلابهم نحورهم . فالظهور بمعنى الأصلاب ، والصدور بمعنى النحور . ومنه قول الصابي : يسافر رأيه وهو دان لا يبرح ، ويسير وهو باق لا ينزح ، فلا يبرح ولا ينزح بمعنى واحد ، ويسافر ويسير كذلك . ومن فوائد الإنشاء التي يتّسع فيها المجال على المنشئ : أنّ السّجع مبنيّ على الوقف ، وكلمات الأسجاع موضوعة على أن تكون ساكنة الأعجاز موقوفا عليها ، لأنّ الغرض أن يجانس المنشئ بين القرائن ويزاوج ، ولا يتمّ له ذلك إلّا بالوقف ، إذ لو ظهر الإعراب لفات ذلك الغرض ، وضاق المجال على قاصده ، فإنّ قافية السجعة إذا كانت في محل نصب وأختها في محلّ رفع ساوى بينهما السّكون ، وصار الإعراب مستترا ، فلو أثبتوا الإعراب في قول من قال : ما أبعد ما فات ، وما أقرب ما هو آت ، للزم أن تكون التاء الأولى مفتوحة ، والثانية مكسورة منوّنة ، فيفوت غرض المنشئ . ومن ذلك أنّ السّجع مبنيّ على التّغيير ، فيجوز أن يغيّر لفظ القافية الفاصلة لتوافق أختها ، فيجوز فيها حالة الازدواج ما لا يجوز فيها حالة الانفراد . فمن ذلك الإمالة ، فقد تكون في الفواصل ما هو من ذوات الياء ، وما هو من ذوات الواو ، فتمال التي هي من ذوات الواو ، وتكتب بالياء حملا على ما هو من ذوات الياء لأجل الموافقة كقوله تعالى : وَالضُّحى [ الضحى : 1 ] فالضّحى أميلت وكتبت بالياء حملا على ما في السّورة الشّريفة من ذوات الياء لأجل الموافقة . وكذلك سورة : وَالشَّمْسِ وَضُحاها [ الشمس : 1 ] أميلت فيها ذوات الواو وكتبت بالياء حملا على ما فيها من ذوات الياء .